ميلاد وزارة المعارف في مصر

اذهب الى الأسفل

ميلاد وزارة المعارف في مصر

مُساهمة من طرف المدير العام في الجمعة يونيو 04, 2010 8:45 am

ميلاد وزارة المعارف في مصر

(في ذكرى إنشائها: 5 من ذي القعدة 1252هـ)

أحمد تمام

يرجع اهتمام الدولة الإسلامية بالتعليم إلى عهد قديم يعود إلى العهد النبوي، وقد أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) أسرى قريش في بدر -ممن لم يكن يقدر على دفع الفدية- بتعليم أولاد الأنصار القراءة والكتابة مقابل أن يفتدوا أنفسهم من الأسر؛ فكان هذا العمل أول خطوة في إنفاق الدولة على التعليم والإشراف عليه...
وظل التعليم ينمو ويزدهر وتتسع حلقاته في المساجد منذ ذلك الحين، وانتشر بانتشار الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، لا يخلو مسجد من حلقة علم أو حلقات يدرس فيها علوم الدين والعربية، وبدأت المدارس المخصصة للتعليم في الظهور تقوم عليها الدولة وتعين من يتولى أمرها، ومن أشهر تلك المدارس ما قام به الوزير النابه "نظام الملك" من إنشاء سلسلة من المعاهد العلمية الراقية عُرفت باسم "المدارس النظامية"، وأشرف عليها عدد من كبار علماء الإسلام، مثل: أبي حامد الغزالي، وأبي المعالي الجويني، ثم تتابع ظهور المدارس في بغداد ودمشق وحلب والقاهرة وتونس وفاس وقرطبة.

كان الجامع الأزهر واحدًا من تلك المؤسسات التعليمية التي ظلت منذ إنشائها في القرن الرابع الهجري تقوم بتدريس العلوم واستقبال الطلاب حتى يومنا، فلم تنقطع عن العلم يومًا أو تتوقف رسالتها ساعة، ولم يصبها ما أصاب غيرها من المؤسسات التعليمية من توقف وانقطاع، وحين أراد "محمد علي" أن يبتعث طلابًا إلى أوروبا لتلقي العلوم الحديثة لم يجد أمامه سوى النابهين من طلبة الأزهر يختارهم لهذه البعثات.

غير أن ما يثير الاهتمام في أمر التعليم الحديث هو البحث عن أوَّلياته، ومَن هم الذين حملوه فنقلوه من طرقه القديمة ومناهجه ومعاهده حتى أصبح على الصورة التي نراها الآن، وكيف نشأت أول وزارة تتولى أمر التعليم وتتعهده بالرعاية حتى استوى على سوقه.

البعثة العلمية الأولى

محمد علي
تطلع "محمد علي" إلى بناء دولة قوية تمتد في مصر والشام والحجاز، ولم يكن له من سبيل في تحقيق ذلك إلا بالعلم الذي هو أساس النهضة؛ فعزم على ذلك، وكان ذا همة وجَلَد، واختار لذلك 44 من الشباب النابه من الأزهر وغيره، وابتعثهم إلى فرنسا في سنة (1252 هـ = 1826م) فيما عُرف بـ"بعثة محمد علي الأولى".

وكانت هذه البعثة موضع اهتمام الوالي الطموح؛ فاختار لها العالم الفرنسي "جومار" مشرفًا عامًّا عليها، يدرس أحوال أعضائها واحدًا واحدًا، ويكتب عنهم التقارير التي تسجل مدى تقدمهم في الدراسة واستجابتهم لها، وسافر مع هذه البعثة الشيخ "رفاعة الطهطاوي" إمامًا لها ومرجعًا لشؤونها الدينية.

وقد احتفظ كتاب "البعثات العلمية" للأمير "عمر طوسون" بأسماء هذه البعثة وغيرها من البعثات، مع ذكر التخصصات العلمية التي ابتعثوا من أجلها، وهي تشمل: العلوم العسكرية، والهندسة، والميكانيكا، والكيمياء، والطب والجراحة، والزراعة، والتاريخ الطبيعي.

وما يهمنا من أمر هذه البعثة هو "مصطفى مختار" أحد أفرادها النابغين الذين تخصصوا هناك في دراسة الفنون الحربية، وعلى يديه وُلدت أول وزارة للمعارف (التعليم) في مصر والعالم العربي.

مصطفى مختار

سافر مصطفى مختار عضوًا في البعثة، وواحدًا من رؤسائها الثلاثة المكلفين بالإشراف على بقية أعضائها في فرنسا، والرئيسان الآخران هما: حسن الإسكندراني، وعبدي شكري، وكانت الرئاسة بالتناوب شهرًا شهرًا؛ حتى استقل بها عبدي شكري في النهاية، ولم تمنع هذه الرئاسة مصطفى مختار ولا زميليه من التفوق الدراسي والجد في التحصيل، وقد أشار إلى ذلك رفاعة الطهطاوي بقوله: "ولسائر الثلاثة اجتهاد زائد وتحصيل بالغ، مع أن الإمرة في الغالب تأنف من ذلك".

ولم تكن الدولة تضن على أعضاء بعثتها في سبيل تعليمهم؛ حتى إنها لم تكتف بالنفقة العالية وإحسان معيشتهم، بل بعثت بثلاثة خيول لرؤساء البعثة الثلاثة؛ إمعانًا في كرمها وحفاوتها بهم في غربتهم، وترسل إلى مصطفى مختار آلتين للموسيقى، وكان له ميل إلى السماع والعزف.

ولم تخيب البعثة ثقة الدولة فيهم فنجحوا جميعًا في مهامهم العلمية التي أُرسلوا لها، عدا خمسة منعهم المرض أو ضعف الكفاية في التحصيل؛ فأعيدوا إلى مصر قبل إتمام دروسهم.

وبعد أن أنهى مصطفى مختار دراسته عاد إلى القاهرة في سنة (1248هـ = 1832م)، ونال رتبة "بكباشي" ولقب "بك"، واشترك في بعض الحروب التي خاضها إبراهيم باشا بن محمد علي.

إنشاء شورى المدارس

كان تنظيم المدارس تابعًا لديوان الجهادية التي تتولى أمره والإشراف عليه، حتى أصدر محمد علي أمرًا بتأليف مجلس عام للنظر في تنظيم المدارس سنة (1251هـ = 1836م) برئاسة مصطفى مختار، وعضوية عدد من أكابر المصريين ونظار المدارس، مثل: "كلوت بك" ناظر مدرسة الطب، و"هاملون" ناظر مدرسة الطب البيطري، و"كياني بك"، و"رفاعة بيومي" أستاذ الرياضيات بمدرسة المهند سخانة.

وقام هذا المجلس بعد مناقشات طويلة وجادة بتقديم اقتراح بتنظيم المدارس يقضي بتقسيم التعليم إلى ثلاث مراحل: ابتدائية، وتجهيزية، وخصوصية؛ وأشار المجلس العام إلى إنشاء خمسين مدرسة ابتدائية، وتوزيع مدارس الأقاليم حسب عدد سكانها، وإنشاء مدرستين تجهيزيتين بالقاهرة والإسكندرية؛ ليكون الغرض منهما توسيع التعليم بين المتخرجين في المدارس الابتدائية، وإعدادهما للمدارس الخصوصية (التعليم العالي)، مثل: مدرسة الألسن، والهندسة، والطب، والفرسان، والمدفعية.

ولمَّا كانت تلك المدارس -بعد تنظيمها- تحتاج إلى هيئة فنية تشرف عليها، وخاصة في سنواتها الأولى، وكانت مثل هذه الهيئة غير متوافرة في ديوان الجهادية؛ فقد صدر قرار من محمد علي بإنشاء ما يُعرف باسم "شورى المدارس" أو "مجلس المدارس" لمتابعة الشؤون الفنية للمدارس، غير أنها ظلت من الناحية الإدارية تابعة لديوان الجهادية، وكان أعضاء شورى المدارس من خريجي مدارس أوربا برئاسة مصطفى مختار، الذي كان يتولى -إلى جانب ذلك- نظارة مجلس الملكية.

وبدأ هذا المجلس عمله بطبع لائحة التعليم الابتدائي، وإرسال المفتشين إلى الأقاليم لتنظيم مكاتب التعليم، وتوزيع التلاميذ على الفِرَق، وترتيب الدروس، وكذلك تنظيم المدارس التجهيزية، وإقرار المناهج الدراسية، وتعيين النظار والمدرسين، وإمداد المكاتب بما تحتاجه من أدوات.

ديوان المدارس

غير أن شورى المدارس لم تكن مطلقة اليد فيما يختص بعملها؛ فالمدارس التي تشرف عليها أو تقوم على أمرها لا تزال تابعة لديوان الجهادية، وكثيرًا ما كان ينشأ صدام بينهما بسبب تجديد العلاقة بين شورى المدارس باعتبارها هيئة فنية استشارية وديوان الجهادية باعتبارها الهيئة التنفيذية، ولمَّا اشتد النزاع بينهما دون الوصول إلى حل لتسيير أمور المدارس رُفع الأمر إلى محمد علي، وكان على علم بالنزاع القائم بين الطرفين، وكثيرًا ما كان يقر شورى المدارس على ما تأخذه من إجراءات وقرارات.

فلما وجد محمد علي أن تبعات شورى المدارس قد اتسعت أو أنها تقوم بعملها على خير وجه، رأى من الأفضل لها أن تستقل بشؤونها عن ديوان الجهادية، ويكون لها ديوانها الخاص، وأصدر قرارًا في (5 من ذي القعدة 1252 هـ = 11 من فبراير 1837م) بإنشاء ديوان المدارس تتبعه المدارس الموجودة في مصر، وتنفصل تبعيتها عن ديوان الجهادية، وتولَّى مصطفى مختار رئاسته؛ فكان أول وزير للمعارف في تاريخ مصر الحديث.

وحددت اللائحة الصادرة لهذا القرار اختصاصات ديوان المدارس بإدارة المدارس والكتبخانات (دور الكتب)، والمعامل، والمتاحف، وقناطر الدلتا، ومطبعة بولاق، وجريدة "الوقائع المصرية".

ولم تطل مدة نظارة مصطفى مختار للمعارف المصرية؛ فقد اخترمته المنية في سنة (1254هـ = 1839م) وهو قائم على نظارة الديوان، ولكن هذه المدة القصيرة كانت خيرًا وبركة على التعليم في مصر، وأنشئ في عهده كثير من المدارس والكتاتيب، واعتنى بالكتب المدرسية الملائمة لتلاميذ المدارس الابتدائية، وكانت المدارس تعوزها الكتب الأولية المناسبة، وكان ذلك خطوة هامة في طريق إصلاح التعليم. وبعد وفاة مصطفى مختار تولى إبراهيم أدهم باشا الوزارة خلفه، ثم توالى بعده النظار والوزراء.

هوامش ومصادر:

* عمر طوسون: البعثات العلمية في عهد محمد علـي– مطبعة صلاح الدين بالإسكندرية– القاهرة (1353 هـ = 1934م).
* أحمد عزت عبد الكريم: تاريخ التعليم في عصر محمد علي– مكتبة النهضة المصرية– القاهرة (1938م).
* عبد الرحمن الرافعي: عصر محمد علي– دار المعارف– القاهرة (1402 هـ= 1982م).
* محمد عبد الغني حسن: تراجم عربية– دار الكاتب العربي للطباعة والنشر القاهرة (1968م).

باحث مصري في التاريخ والتراث.

المدير العام
Admin

عدد المساهمات : 69
تاريخ التسجيل : 26/06/2009

http://t3leem.4umer.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى