آينشتاين وداروين .. وكرة القدم .. !!

اذهب الى الأسفل

آينشتاين وداروين .. وكرة القدم .. !!

مُساهمة من طرف المدير العام في الأحد مايو 30, 2010 6:03 pm

من حسن الحظ .. انني شهدت ثلاثة أحداث مهمة في مكتبة الاسكندرية.. أولها حفل الافتتاح المهيب عام 2002 بحضور الرئيس مبارك والسيدة قرينته ورؤساء وملوك عدد كبير من دول العالم وأكثر من 3 آلاف شخصية عالمية.
والثاني هو مؤتمر آينشتاين عام 2005. بمناسبة مرور 100 عام علي نظرية النسبية لعالم الفيزياء الشهير البرت آينشتاين والتي قلبت علوم الفيزياء رأساً علي عقب .. وغيرت رؤيتنا للمادة والطاقة والكون.
أما الحدث الثالث. فهو حضور فعاليات مؤتمر "تراث داروين الحي" والذي نظمه المجلس الثقافي البريطاني بالتعاون مع مكتبة الاسكندرية أواسط الشهر المنصرم.
وهذه الأحداث الثلاثة مجتمعة.. إضافة إلي غيرها من المؤتمرات والندوات الأدبية والثقافية والعلمية .. تؤكد أن المكتبة قد أصبحت مؤسسة فكرية عالمية think tank.. لا تكتفي بجمع الكتب والوثائق والمخطوطات التاريخية.. أو بما تحتويه من أجهزة كمبيوتر متصلة بشبكة الانترنت.. وإنما تحتضن مؤتمرات عالمية يحضرها باحثون ومفكرون وعلماء من مختلف أنحاء الكرة الأرضية.. بهدف التحاور والتناقش حول قضية معينة.. أو نشر فكرة أو نظرية محددة قد تؤثر في مسار الحضارة البشرية.. بالإضافة إلي بث الوعي العلمي والثقافي والحضاري في المجتمع. باعتبار أن العلم "مهيض الجناح" عندنا وفي المنطقة العربية بوجه عام.
والحقيقة.. أن نظرية داروين حول التطور وكتابه "أصل الأنواع" .. لا يحظيان بالاهتمام الكافي في مجتمعاتنا العربية بوجه عام.. وحتي مع الاعتراف بوجود قطاع غير قليل من الذين لا يتقبلون أفكار داروين من أساسها.. فليس معني ذلك أن نتجاهلها ونصم آذاننا عنها.. أو أن نقف منها موقف الرافض لها.. إذ أن المنطق يقتضي أن نخضع هذه الأفكار والنظريات للبحث والدراسة.. ونمعن التفكير فيها.. ونقرأ كل ما كتب أو قيل بشأنها.. ثم نحدد موقفنا منها سواء بالرفض أو القبول.
لقد حفل مؤتمر "تراث داروين الحي" بقضايا جدلية ساخنة. لكنها قضايا حيوية وتمس حياتنا في الصميم.. وتلاطمت الأفكار خلال المؤتمر تلاطم أمواج البحر بالشاطيء.. لدرجة أنعشت قواي العقلية والفكرية قدر انتعاشي بجو الاسكندرية البديع في هذا الوقت من السنة.. وبدأت أشعر بأن نسائم الفكر قد بدأت تهب علينا من شتي بقاع الأرض وبعدد جنسيات العلماء والباحثين المشاركين في هذا الحدث العلمي غير المسبوق.
علي مدي ثلاثة أيام.. تلاقحت أفكار أكثر من 140 عالما وباحثا ومفكراً. جاءوا من أكثر من 30 دولة موزعة بين مشرق الكرة الأرضية ومغربها.. وبين شمالها وجنوبها.. وينتمون إلي جامعات ومؤسسات بحثية عريقة.. وأدي هذا التلاقح الفكري إلي قدح زناد العقول.. وتوهج أضواء المعرفة.
كانت موضوعات المؤتمر شائكة ومشوقة في الوقت نفسه.. وتراوحت بين الأبحاث الحديثة في علوم الجينوم والوراثة الجزيئية.. وبين الجدل حول القضايا المرتبطة بنظرية التطور والتعليم.. وتلك المرتبطة بالعقائد والعلوم.


* * *


لقد وصلت الداروينية الحديثة إلي ما هو أبعد من علوم الوراثة وعلوم الفلك. وبدأت -كفكرة- تقتحم عوالم جديدة ليس أقلها علوم الاجتماع والسياسة والعلاقات الدولية.. وكل مجالات الحياة بلا استثناء.. تحت غطاء فكرة "البقاء للأقوي" أو "البقاء للأصلح"..!!
ويحضرني هنا رأي وجيه طرحته بيليانا بابازوف أستاذة علم النبات بجامعة برن السويسرية في إحدي ندوات المؤتمر. حيث قالت إنه لا ينبغي النظر إلي داروين علي أنه قام بالفصل بين الطبيعة والقوانين الإلهية. لتخضع الطبيعة للصدفة البحتة!
وتشير في حديثها إلي أن داروين الذي تأثر بالثورة الصناعية في منتصف القرن التاسع عشر بانجلترا.. ليس هو الذي فهم وأرسي فكرة الانتخاب الطبيعي علي أنها المقابل الوحيد للهلاك.
كما تقول إن التسطيح الشديد لأفكار داروين يشكل خطورة كبيرة ويؤدي إلي نتائج كارثية.. فنحن اليوم بحاجة أكثر إلي التعاون عوضاً عن المنافسة.. وهذا ما تضمنته كتابات داروين نفسه حول فكرة الانتخاب الطبيعي.
وتطرح بيليانا رؤيتها الفلسفية قائلة: إن النظريات هي التي تصوغ علاقتنا بالعالم.. لأن النظرية لا تنطوي علي حقائق فقط. بل تحمل في ثناياها أيضا تفسيرات غير منظورة.. لذا فمن المهم التحقق أولاً -وبشكل أكثر وعياً وعمقاً- من كيفية قيامنا بصياغة النظريات.


* * *


علي أي الأحوال فإن المجال هنا يضيق عن طرح واستعراض ما تضمنه المؤتمر من رؤي وأفكار وتصورات.. وما حفل به من فعاليات تشكل أهمية قصوي لقدح زناد العقول.. والانتباه إلي ما يموج به العالم من أفكار ومعتقدات ونظريات ومواقف.. وما تحقق من تقدم علمي وتقني.. فالبقاء للأصلح -سواء أقال ذلك داروين أو غيره- خصوصا إذا كانت هذه الصلاحية تعني القوة بمفهومها الواسع والشامل. وليست "القوة الغاشمة"!
علي أية حال .. فقد توارت أهمية المؤتمر وفعالياته .. وقيمته .. لتزامن موعد انعقاده مع الأجواء المسممة التي أحاطت بمباراتي مصر والجزائر في كرة القدم.. فلم يجد الاهتمام الكافي ولم يأخذ حقه في وسائل الاعلام. سواء المطبوعة أو المسموعة أو المرئية.. ويبدو أن كرة القدم عندنا تتفوق علي ما عداها من أمور وأحداث..!!

المدير العام
Admin

عدد المساهمات : 69
تاريخ التسجيل : 26/06/2009

http://t3leem.4umer.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى